أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

294

العقد الفريد

فما كان أوشك أن كتب إليه صاحب اليمن يخبره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة ، وكتب إليه صاحب السّماوة يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة ، وكتب إليه صاحب طبريّة أن الماء لم يجر تلك الليلة في بحيرة طبرية ؛ وكتب إليه صاحب فارس يخبره أن بيوت النيران خمدت تلك الليلة ، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة . فلما تواترت الكتب أبرز سريره وظهر لأهل مملكته ، فأخبرهم الخبر ؛ فقال الموبذان « 1 » : أيها الملك ، إني رأيت تلك الليلة رؤيا هالتني . قال له : وما رأيت ؟ قال : رأيت إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا ، قد اقتحمت دجلة ، وانتشرت في بلادنا . قال : رأيت عظيما ، فما عندك في تأويلها ؟ قال : ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ، أرسل إلى عاملك بالحيرة ، يوجّه إليك رجلا من علمائهم ، فإنهم أصحاب علم بالحدثان . فبعث إليه عبد المسيح بن نفيلة الغساني : فلما قدم عليه أخبره كسري الخبر . فقال له : أيها الملك . واللّه ما عندي فيها ولا في تأويلها شيء ولكن جهّزني إلى خال لي بالشام ، يقال له سطيح ، قال : جهّزوه . فلما قدم على سطيح وجده قد احتضر ؛ فناداه فلم يجبه ، وكلمه فلم يردّ عليه ، فقال عبد المسيح : أصمّ أم يسمع غطريف اليمن * يا فاصل الخطّة أعيت من ومن « 2 » أتاك شيخ الحيّ من آل سنن * أبيض فضفاض الرّداء والبدن رسول قيل العجم يهوي للوثن * لا يرهب الوعد ولا ريب الزّمن « 3 » فرفع إليه رأسه ، وقال : عبد المسيح ، على جمل مشيح ، إلى سطيح ، وقد أوفى على الضريح ؛ بعثك ملك بني ساسان ، لارتجاج الإيوان ، وخمود النيران ، ورؤيا الموابذان ؛ رأى إبلا صعابا ، تقود خيلا عرابا . قد اقتحمت في الواد ، وانتشرت في البلاد يا عبد المسيح ، إذا ظهرت التّلاوة ، وفاض وادي السّماوة ، وغاضت بحيرة ساوة وظهر صاحب الهراوة ، وخمدت نار فارس ، فليست بابل للفرس مقاما ، ولا الشام

--> ( 1 ) الموبذان : فقيه الفرس وحاكم المجوس . ( 2 ) الغطريف السيد الشريف . ( 3 ) القيل : الملك .